سعيد حوي

397

الأساس في التفسير

المعنى الحرفي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ : أي فرض . والقصاص عبارة عن المساواة . وأصله : من قص أثره ، إذا تبعه . ومنه القاص ، لأنه يتتبع الآثار والأخبار . فِي الْقَتْلى : جمع قتيل . فصار المعنى : فرض عليكم المماثلة والمساواة بين القتلى . الْحُرُّ بِالْحُرِّ أي : الحر مأخوذ بالحر ، أو مقتول بالحر . وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ أي : والعبد مقتول بالعبد وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى . أي : والأنثى مقتولة بالأنثى . والكلام كله في القتل العمد . فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أي : فمن ترك له من أخيه . وذلك بالعفو عن القتل ، وقبول الدية ، ف ( من ) ترجع إلى القاتل . والأخ هنا ، ولي المقتول . والعفو ضد العقوبة . وعبر بكلمة شئ ليفيد سقوط القتل ، وقبول الدية . وذكر الأخوة في هذا المقام بعث لأهل القتيل على العطف على القاتل لما بينهما من الجنسية والإسلام . فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ أي : فليتبع الطالب القاتل بالمعروف ، بأن يطالبه مطالبة جميلة . وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أي : وليؤد القاتل بدل الدم ، أداء بإحسان ، بألا يمطله ولا يبخسه . فالولي إذا أعطي له شئ من مال أخيه - يعني القاتل - بطريقة الصلح ، فليأخذه بمعروف من غير تعنيف . وليؤده القاتل إليه من دون تسويف . ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ أي : هذا المذكور ، من العفو وأخذ الدية ، تخفيف من الله ورحمة عليكم ، ورحمة بكم . فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ أي : من قتل ، وثأر ، بعد أخذ الدية أو قبولها . فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ أي : موجع شديد في الآخرة . وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي : ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص ، حياة عظيمة ، وأي حياة ؟ . وذلك مما يؤدي إليه - القصاص بالقتل - من الردع عن القتل . فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل من القتل . فكان في شرع القصاص سبب حياة النفسين على الأقل . فإذا أضفنا قضايا الثأر غير المعقول من قتل غير القاتل ثأرا كما هي عادتهم في الجاهلية عرفناكم في القصاص من حياة يا أُولِي الْأَلْبابِ أي : يا أولي العقول والأفهام . دل ذلك على أن غير أولي العقول هم الذين لا يرون القصاص ، وتالله إنهم لكذلك ، وما أكثرهم في عصرنا ، وما أكثرهم في بلادنا . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ : أي : لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه ، ومنها القتل . قال القرطبي : ( والمراد هنا - أي بقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - القتل ، فتسلمون من القصاص . ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك . فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة ) .